مازالت مدينة اوشويتز تتحدث إلى اليهود والمسلمين


منذ ان تم نفيي إلى اوشويتز، في اقليم ماجدانيك في بولندا، والى داشو في المانيا، حيث تم تحريري من قبل جنود امريكيين عندما كنت في السادسة عشر من عمري، العديد من المذابح، التطهير العرقي والاعتداءات الدينية قد ذكرت بان البشر قادرون على ارتكاب السوء والقيام بالخير، باظهار الحقد والحب، والجنون والعبقرية، وان المستحيل مازال ممكنا مع الغاز القاتل كما هو الحال مع الصواريخ البالستية والقنابل الذرية. يزعم طغاة وغوغائيون اليوم بان المحرقة ليست سوى "اسطورة"، ومازالوا يثرون الاحقاد ضد اليهود وضد بعض الشعوب المقهورة. اذا بدا لنا اليوم هذا التفكير مترابط، فذلك لأن رماد معسكرات الموت تظهر لنا مشاهد من نهاية العالم، نستطيع ان نسمع دعوات للحذر وان نجد جهودا لأجل دفع تحديات زماننا.

في عام 2011، وفي ذات المناسبة، دعيت من قبل برنامج علاء الدين-والذي اطلقته مؤسسة ذكرى المحرقة برعاية اليونسكو، للسفر إلى اوشويتز بيركانو بصحبة 150 شخصية مسلمة، يهودية ومسيحية، وزعماء دول، رجال دين يهود ومسيحيين ومسلمين. في هذا المكان الملعون والمقدس، حيث سينطفي شريان الحضارة، حيث عانيت كثيرا من التعذيب والاذلال. كانت مهمتي ان ادلي بشهادتي باسم الضحايا والاحياء بان المحرقة، بعيد من كونها "اسطورة" هي بمثابة انذار خطير للفضائع التي من الممكن ان تقع ضد الانسانية.

بعد ان انغمرت بالدلائل نصب عينها، مجتمعين في ذات الالم حول القيم الانسانية المشتركة، هذا التجمع النادر استطاع ان يتجاوز الخلافات السياسية، العرقية والدينية من اجل الدعاء معا لمستقبل افضل. كل فرد رفض هذه الادعاءات الصلفة التي تنفي الحقيقة التي عانينا منها وتركت اثارها على اجسادنا وعلى ارواحنا، معتقدين ان هذه الادعاءات لا تليق باناس يؤمنون برب واحد. على اثر هذه التظاهرة الفريدة للتضامن بين اعداء تاريخيين مزعومين، تمت دعوتي لقيادة مجموعة من المشاركين للشهادة امام لجنة الشؤون الخارجية للكونجرس الامريكي، حيث وجدت نفس الروحية.

هذان الحدثان يعززان قناعتي ان التفويض المعطى للمنظمات الدولية مثل الامم المتحدة واليونسكو، حيث بدأت مهامي، تعكس بعدا عالميا وحياتيا، وان هذه المؤسسات لا يجب عليها ان تكون اداة او يتم تحريف مسؤلياتها العليا من خلال اعتبارات خارجية. هذه الحقيقة تفرض نفسها اكثر فاكثر في اجواء عالمية مشتعل وغير مستقر، اما اختيار قدري يفرض نفسه: ان ننحدر باتجاه الفضائع والفوضى الاقتصادية، أو نستمر في المضي على طريق الانسانية وتزايد الخيال، والتجديد والابداعية قادرة على تحشيد طاقة وحماسة الاجيال الشابة.

اسمح لنفسي قول هذا كوني احد الشهود المباشرين لمشروع قاد إلى الخضوع وتدمير اولئك الذين تم تسميتهم بالشعب "دون البشر". عودتي إلى المجتمع الانساني علمني ان الهاوية ليست هي افقنا الوحيد، هناك صور أخرى لمجابهة سموم الحقد بين الغرماء، حتى اولئك الذين يعتبرون انفسهم بـ"العدو اللدود". نهضة جديدة – تربوية، علمية، وثقافية- يمكن ان تنطلق بفضل الموارد المتجددة للروحية الانسانية، حيث يتشاطرها الاسود والابيض، الاسيوي والاوربي، الروسي والامريكي، العرب واليهود. اذا استطعنا ان نهب شبابنا كنوز المعرفة الحديثة، بالمعلومة والمعرفة، فانها ستعيد اكتشاف جرأة اجدادنا الذين خرجوا من كهوفهم وفتحوا حقبة جديدة من السلام، والتسامح والرخاء.

نحن، آخر الناجين من المحرقة، نندثر الواحد بعد الاخر. قريبا سينطق التاريخ باصوات غير شخصية للباحثين وكتاب الرواية. باسواء الحالات، مع اولئك الذين ينكرون المحرقة، مع المزورين والغوغاء. اليوم العالمي لتخليد الضحايا هي صلة حيوية في نقل ارثنا المأساوي. لو فشلنا في اعطائه بشكل جماعي وبدراية المكانة التي تستحق في الذاكرة والتربية، في قلب القيم الاساسية لجميع الاديان، والروحانيات والوضعية، فأن قوى الظلام ستتمكن مرة أخرى من ان تتسلط علينا.