القصة المنسية على أوجاع يهود الإسكندرية


الثلاثاء 24-05-2016|
كانت «جوهرة» اليهودية الوحيدة التي تتابع خطاب الرئيس السادات عندما أعلن عن استعداده لزيارة إسرائيل، بفرحة مبتهجة، وكانت في قمة سعادتها في مشهد هبوط طائرة السادات في مطار بن جوريون، ووزعت أكواب الشربات مرددة: «هذا شربات الرئيس».
جوهرة هي حفيدة الرسام اليهودى الإسكندرانى «مخلوف»، وبطلة رواية «يهود إسكندرية» للكاتب مصطفى نصر، والصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، وهى على عكس بقية أبطال الرواية من اليهود، فلم تحفظ لمصرـ الإسكندرية تحديدًا أنها البلد الوحيد الذي تعرفه.
ولم تدرك معنى أن تحتضنها أسرة الأسطى «محسن»، وتتعهدها بالرعاية والتربية، كابنة لها مثلها مثل ابنها البيولوجى «كمال»، الذي ترك لها شقة العائلة حينما تزوج من عايدة، ابنة حسن بدوى باشا، وتربصت به لتفرقه عن زوجته التي أحبها وأخلص لها، جوهرة مثال حى على الصهيونى معتنق اليهودية، وولائه لإسرائيل فقط، وإن كانت أصوله تنتمى لبلدان أخرى.
جوهرة استغلت- في أحداث الرواية المتخيلة- اختباء الرئيس السادات حينما كان هاربا يبحث عن مأوى في شبابه، في الغالب عقب اتهامه بالاشتراك في اغتيال أمين عثمان في بيت والدها منير، صانع البمب وألعاب الأطفال النارية، تتذكره حينما أصبح رئيسا لمصر، وتخرج من صندوق ذكرياتها تلك الساعة التي أهداها لها حينما حل عليهم، تكتب له خطابا فيسعى لزيارتها، لا يصدق أنها نفس الطفلة التي علمها بعض الألعاب وشاركها هي وجدتها «نظيرة» وأمها «وصال» طعام الإفطار الذي ابتاعه بنفسه، تبرز له ساعته فيتأكد من شخصيتها، فيمنحها الكثير من الأموال لها وليهود عزبة «جون» الواقعة في منطقة الطابية، فتحول تلك الأموال وتستغل قربها من السادات في تشريد سكان المنطقة، بعد أن استولت على منازلهم وسورتها بسور ارتفاعه متران والذي يرمز إلى الجدار العازل الذي أقامته إسرائيل في الأرض المحتلة بدعوى حماية ضريح الولى «جون»، وأن تلك الأرض المقام عليها المنازل تضم مدافن اليهود، رغم أنه لم يدفن فيها يهودى واحد منذ ثلاثين عاما!!.
قسم الكاتب روايته إلى ثلاثة أقسام، يبدأ الأول منها في أواخر عام ١٨٦٢ م، في مدينة الإسكندرية، حيث يصاب والى مصر الخديو سعيد بمرض غامض، جعل حتى خدم قصره ينفرون من رائحته، ويفر الأطباء والممرضون من عيادته، حتى يظهر «زاكن وعامير ودوف» زعماء اليهود في مصر، ويقترح فرج خادم عامير أن يأتى له بـ«جون»، حلاق الصحة، والذي كان قد تقدم إلى المستشفى الذي افتتحه «كلوت بك» لتعليم الحلاقين أصول العلاج الصحيح، وكيفية تطعيم الأطفال ضد الأمراض المعدية، فتقدم اليهود بكثرة، بينما امتنع المسلمون غير الواثقين في جدية العمل، فقد ظنوا أن التطعيم ما هو إلا خدعة أقدم عليها محمد على باشا ليوشم أطفالهم، فإذا كبروا يستطيع أن يدخلهم في الجندية بسهولة.
كان جون مصابا بلحمية في الأنف، مما سهل مهمته في علاج الوالى سعيد، بخلطاته من الأعشاب التي صنع منها مراهم يدهن بها جسد سعيد، يكافئه الوالى بمنحه أبعدية في منطقة الطابية. وتنقلب حياة جون رأسا على عقب وتتحول زوجته «الهادية» من معاملته بقسوة واستهانة، رغم أنه تحدى الحاخامات وتزوجها وهى على طائفة الربانيين، بينما هو ينتمى لطائفة القرائيين.
إلا أن الأمر لم يخل من أطماع المحيطين بجون في تلك الهبة التي منحها له الوالي، فيحيك الجميع المؤامرات ضده، من أول أهالي سوق السمك التجمع الأكبر لليهود في الإسكندرية مرورا بعامير ورغبته في توزيع تلك الأراضى على فقراء اليهود، أو ابن عمه «بنيامين الذي يكره جون ويحقد عليه، وليس انتهاء بـ«زاكن» القواد، الذي يخطط مع زوجة جون لقتله بالسم. فيقضى جون نحبه وعلى وجهه ابتسامة، فيعتبرونه وليا ويدفنونه تحت منزله، بعد أن أقاموا له ضريحا مزدانا بالستان الأخضر على عادة أضرحة أولياء المسلمين.
يبدأ الاحتفال بمولد جون من ٢٦ ديسمبر وحتى ٢ يناير، ويقام في الأرض الواسعة أمام الضريح والمقابر القليلة حوله، ذلك القبر/الضريح الذي صار مسمار جحا، تستغله جوهرة لجذب يهود العالم إلى مصر، سواء بجمع التبرعات لإعادة بنائه بعدما احترق في الانفجار الكبير الذي تسبب فيه والدها منير، أو مخاطبة الجمعيات اليهودية في أنحاء العالم للحج إلى ضريح جو.
وكأنما الراوى وهو يختتم روايته التي ناهزت ٦٠٠ صفحة من القطع المتوسط، تعمد تلك النهاية الدائرية لروايته، والتي بدأت بالأبعادية التي منحها الوالى سعيد لجون، وتنتهى بتوغل وتغول جوهرة/إسرائيل على حياة سكان منطقة الطابية، نزعها لبيوتهم بحجة ضريح جون في إسقاط وتوازٍ مع خرافة «هيكل سليمان»، وحسب الرواية اليهودية، فإن داود هو الذي أسس لبناء الهيكل، ولكنه مات قبل أن يشرع في بنائه، وأن ابنه سليمان هو الذي قام ببناء الهيكل فوق جبل موريا، المعروف باسم هضبة الحرم، وهو المكان الذي يوجد فوقه المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة، وللهيكل منزلة خاصة في قلوب وعقول اليهود، فإنهم يزعمون أنه أهم مكان للعبادة، وأن سليمان بناه لهم ولديانتهم.
وفى كل الحالات أعطى من لا يملك لمن لا يستحق، سواء الوالى سعيد، سليل الأسرة العلوية التي احتلت مصر، وهو يمنح جون تلك الأبعادية، وكان المصريون الأحق بها، أو الأنجليز وهم يصدرون وعد بلفور عام ١٩١٧، وبموجبه أقامت إسرائيل دولتها على أرض الكنعانيين التاريخية، وبطبيعة الحال والرئيس السادات يمنح جوهرة المال والنفوذ والسلطة من أموال الشعب المصرى. وكما استغل اليهود وعد بلفور في إقامة دولتهم واغتصاب وطن من سكانه، استغلت جوهرة الأموال التي وهبها لها السادات في تدمير الشعب المصرى خاصة من الشباب، وذلك بسرطان مخدر الهيروين الذي أدخلته إلى مصر، بمساعدة المافيا الإيطالية، وصديقها زكى مورجان.